ابن عجيبة
207
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم عدّد سبحانه الخيرات والمنافع ، الدالة على انفراده بالخيرية ، فقال : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، « أم » هنا : منقطعة ، بخلاف أَمَّا يُشْرِكُونَ أي : بل أمّن خلق العالم العلوي والسفلى ، وأفاض من كل واحد ما يليق به من الخيرات ، خير ، أم جماد لا يقدر على شئ ؟ فمن : مبتدأ ، وخبرها : محذوف مع « أم » المعادلة للهمزة ، كما قررنا . وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً . مطرا فَأَنْبَتْنا ، التفت من الغيبة إلى التكلم ؛ تأكيدا لمعنى اختصاص الفعل به تعالى ، وإيذانا بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان ، والطعوم والأشكال ، مع بهجتها ، بماء واحد ، لا يقدر عليه غيره ، أي : فأخرجنا بِهِ حَدائِقَ : بساتين ، فالحديقة : بستان عليه حائط ، من : الإحداق ، وهو الإحاطة ، ذاتَ بَهْجَةٍ أي : ذات حسن ورونق ، تبتهج به النظار ، ولم يقل : ذوات ؛ لأن المعنى : جماعة حدائق ، كما تقول : النساء ذهبت . ما كانَ لَكُمْ ؛ ما صح وما أمكن لكم أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها فضلا عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة المبهجة ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ أي : أإله كائن مع اللّه ، الذي ذكرت أفعاله ، التي لا يقدر عليها غيره ، حتى يتوهم جعله شريكا له تعالى في العبادة ؟ أو : أإله مع اللّه يفعل ذلك ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ : بل هم قوم عادتهم العدول عن طريق الحق بالكلية ، والانحراف عن الاستقامة في كل أمر من الأمور ، فلذلك يفعلون ما يفعلون من الإشراك والجرائم ، أو : يعدلون به غيره فيشركونه معه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قل الحمد للّه ، الذي كشف الحجب عن قلوب أوليائه ، وسلام على عباده الذين اصطفاهم لحضرته ، آللّه خير ، أي : أشهود اللّه وحده في الوجود خير ، أم شهود الغير معه ؟ ، فتشركون في توحيدكم . أمن خلق سماوات أرواحكم ، وهيأها لشهود الربوبية ، وخلق أرض نفوسكم ، وهيأها لآداب العبودية ، وأنزل لكم من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية ، فأنبتنا به في قلوب العارفين بساتين المعرفة ، ذات بهجة ونزهة ؟ ما كان لكم ، وفي طوقكم ، أن تنبتوا في قلوبكم شجر المعرفة ، ولا ثمار المحبة ، أإله مع اللّه يمنّ عليكم بذلك ؟ ، بل هم قوم يعدلون عن طريق الوصول إلى هذه البساتين البهية ؛ لأنها محفوفة بالمكاره النفسية ، لا يقدر على سلوكها إلا الشجعان ، أهل الهمم العلية . وباللّه التوفيق . ثم ذكر نوعا آخر من دلائل توحيده ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 61 ] أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 )